عبد الرحمن الأنصاري الدباغ

53

معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان ( تعليق التنوخي )

بشيء فضحك سحنون وأمر بالقراءة وقال لأصحابه : إنا أصبنا في هذا العام ثمرة كثيرة ، وزرعا كثيرا ، ولم أصب بمصيبة فخفت أن أكون سقطت من عين اللّه عزّ وجل ، وإنّ هذا جاءني فأخبرني أنّ أفرة جمالي مات ، فسررت بذلك ، وعرفت أن اللّه ذكرني ويخلف ما ذهب . وفي رواية أخرى أنّ هذا أخبرني بموت زوجي وخادمي وأهلك الريح مائة وخمسين شجرة . وكان يقول : ترك دانق من حرام أفضل من سبعين ألف حجة يتبعها ألف عمرة مبرورة متقبلة ، وأفضل من سبعين ألف فرس في سبيل اللّه بزادها وسلاحها ، ومن سبعين ألف بدنة يهديها إلى بيت اللّه الحرام العتيق ، وأفضل من عتق سبعين ألف رقبة مؤمنة من ولد إسماعيل ، فبلغ كلامه هذا لعبد الجبار بن خالد فقال : نعم وأفضل من ملء الأرض إلى عنان السّماء ذهبا وفضّة كسبت وأنفقت في سبيل اللّه لا يراد بها إلّا وجه اللّه عزّ وجل . وكان شيخنا رحمه اللّه تعالى إذا نقل هذا الكلام يعبّر عنه بقوله : رد دانق مظلمة أفضل من كذا . وذكر ما تقدم ، ويفتي به ويوجّهه بأن رد الدانق مظلمة واجب ، وما ذكر إنما هو تطوع ، والأصل أنّ التطوع وإن كثر لا يقوم مقام الفرض وإن قلّ . ذكر ذلك لما سألته في حال صغري عن وجهه . قال محمد بن عبد اللّه الرّعيني لما سرت إلى الغزو إلى صفاقس مع سحنون فتح لنا مطمورة شعيرا لعلف دوابنا فما كنا نأخذ منه بكيل سماحة منه في ذات اللّه عزّ وجل . قال الجزري : بينما أنا مع سحنون إذ أتاه رجل فسأله عن مسألتين أو ثلاثة ثم قال : ما اليوم ؟ وما غدا ؟ وما بعد غد ؟ فقال له سحنون مجيبا : اليوم عمل ، وغدا حساب ، وبعد غد جزاء . ولما ولى تبعته حتى دخل المقبرة خفت فواته فقلت له : باللّه قف ، فقال : ما تريد ؟ أنا رجل من الجانّ كنت أغشى مجلس أبي سعيد أسأله عن مسائل فقد أحرمتني المسائل ثم غاب عني ، فحضرني الخروج إلى الحجّ فبينما أنا في الطواف إذ جذبت من ورائي بثوبي فالتفتّ فإذا أنا بالجنّي فسلّم عليّ وأخبرني بخبر من خلفت من أهلي ، ثم قال : إني رأيت الطلبة يختلفون إلى شيخ فمضيت إليه ، فلما أشرفنا على الجماعة جذبني الجنّيّ بثوبي وقد تغير لونه ، وقال لي : هذا إبليس لو رآني لقتلني فقلت له : ما العمل ؟ قال : ارجع فالطمه للرّأس وقل له يا لعين يا ملعون ، أيّ شيء أتى بك هاهنا ففعلت فاضمحلّ حتّى صار كالدّخان . وأخبرت الطلبة بالقصّة فعجبوا وخرقوا ما كتبوا .